مدن مصرية على خط المواجهة (2)

السويس.. المدينة الحارسة

هيرو بوليس.. مدينة الأبطال التي عُرفت قبل نحو 4600 عام باسم سيكوت، واعتبرت السور الشرقي لمصر الذي يصد عنها هجمات الأعداء. وهي بيثوم عاصمة الإقليم الثامن من اقاليم الوجه البحري في عهد الأسرتين 19، 22، وهي آرسينوي الجميلة التي اختارها بطليموس الثاني ليخلّد بها ذكر زوجته.. وبطبيعة الحال فقد تغير موقع المدينة عدة مرات منذ أن كانت قرب تل المسخوطة جنوب الإسماعيلية بنحو 17 كيلو متر، ثم ظهورها في تل الرطابة قرب القصاصين شرقية، قبل انتقالها في العصر البطلمي إلى شمال موقعها الحالي عند عجرود، وفي تلك الآونة اختيرت المدينة لتحمل اسم الملكة الجميلة كليوباترا.. لكن ذلك لم يدم طويلا، وعادت المدينة إلى اسمها القديم.. أما هيرو بوليس الذي يعني مدينة الأبطال، فهو الاسم الذي أطلقه الرومان على المدينة.. قبل أن تحمل اسم كليزما الذي حرفه العرب إلى قلزم، وأطلقوا هذا الاسم أيضا على البحر الاحمر، وفي أواخر القرن التاسع الميلادي أصدر خمارويه الطولوني أمرا بإلغاء كافة الأسماء القديمة، وأقر اسم السويس للمدينة والخليج.. أما الموقع الحالي فيرجع أصله إلى حي أسسه الفاطميون جنوب غرب كليزما القديمة، وترجح بعض المصادر أنهم أيضا أصحاب الاسم المشتق من لفظ “سواسية”.

السويس الحارسة الأمينة لشرق مصر منذ القدم

ويشهد التاريخ القديم والحديث على أن مدينة السويس كانت الحارسة الأمينة لشرق مصر، منذ أن اختير موقعها عام 2563 ق.م ليكون مكانا للقلعة التي أقيمت لحماية كنوز سيناء ومناجمها التي كانت تتعرض للنهب من قبل الغزاة القادمين من الشرق.. وفي عام1887 ق.م طارد الملك سنوسرت الثالث الأعداء ودحرهم عند السويس وأمن حدود الدولة.

في العام 1218ق.م تشهد المدينة خروج اليهود مع موسى عليه السلام، وبعد هذا التاريخ بنحو سبعة قرون تشهد المدينة الاحتلال الفارسي لمصر الذي سيدوم قرابة القرنين، وقد شهدت تلك الفترة الانتهاء من حفر قناة نخاو التي وصلت النيل بالبحر الأحمر.

ويذكر بعض المؤرخين أن العائلة المقدسة قد مرت بالمدينة في طريقها إلى صعيد مصر؛ لكن يبدو أن ذلك ليس دقيقا لأن مسار الرحلة كان بالقرب من ساحل البحر المتوسط، مرورا بالفرما.. ومع الفتح العربي لمصر تدخل المدينة مرحلة جديدة خاصة بعد أن أمر عمرو بن العاص بإعادة حفر القناة، وإطلاق اسم قناة أمير المؤمنين عليها، وقد أمنت تلك القناة احتياجات المدينة من الماء العذب، إلى أن أمر أبو جعفر المنصور بردمها سنة776م، حتى لا تستخدم لإمداد الثائرين في المدينة المنورة بقيادة محمد النفس الزكية، بالمؤن والسلاح، وكان من آثار هذا القرار الجائر أن حرمت السويس من ماء النيل لنحو أحد عشر قرنا.

مع الفاطميين ضد القرامطة

شهدت المدينة في عام 969م معارك طاحنة بين الفاطميين والقرامطة، وقد ساعد أهل المدينة الفاطميين في رد العدوان، إلى أن استطاعوا دحر القرامطة عن منطقة تل القلزم التي اتخذوها مركزا لهم لفترة.. أما الأيوبيون فقد اتخذوا من المدينة مركزا لحربهم ضد الفرنجة حيث تحركت سفنهم منها عام1182م، لتشتبك مع القوة الصليبية المتمركزة في حصن الكرك بقيادة “أرنولد” وانتهت المعركة بانتصار جيش مصر.

عرف المماليك قيمة المدينة وأهميتها الاستراتيجية مبكرا؛ ففي عام1260م، أمر الظاهر بيبرس بتعمير قلعة السويس، وجعل عليها حامية كبيرة عالية التجهيز، كما أنشا السلطان قنصوه الغوري قلعة على بعد نحو 20 كيلو من المدينة لحراسة وتأمين طريق القوافل، وقد هدمتها قوات العثمانيين عند احتلال مصر عام1517، وما تزال بعض آثارها باقية إلى اليوم.

وأثناء الحملة الفرنسية على مصر تعرضت مدينة السويس للنهب والتدمير من جانب الفرنسيين الذين قاموا باحتلال المدينة وسلب ما بها من غلال ومؤن، ونقلها إلى مخازن الحملة، ثم دخل “بونابرت” السويس في 26 ديسمبر1798، ومعه مجموعة من علماء الحملة ليدرسوا إمكانية شق قناة تربط البحرين، وكانت تقديرات العلماء الفرنسيين ليست صحيحة؛ فأفتوا بعدم إمكانية شق القناة لاختلاف منسوبي البحرين؛ فأصيب “بونابرت” بخيبة أمل، وسرعان ما غادر السويس في صباح ثالث أيام العام الجديد.. ولكنه أمر بإنشاء السفن في ترسانة بولاق ونقلها إلى السويس، لتكون نواة لأسطول فرنسي سيستطيع السيطرة فيما بعد على المنطقة الواقعة بين السويس وجدة.

أول أسطول مصري في البحر الأحمر

وفي أغسطس من العام1811، رست بميناء السويس ثلاث وستون سفينة متعددة الأشكال والأحجام كانت تشكل أول أسطول مصري في البحر الأحمر، كما أصبحت مدينة السويس أول قاعدة عسكرية لمصر، ومنها انتقلت القوات في الحملة على الوهابيين بالجزيرة العربية.

وفي الثورة العرابية كانت المدينة في قلب الحدث، وكانت مؤهلة لصد الهجوم الإنجليزي إذ كان بها ثلاث قطع من الاسطول المصري، وقوات برية كانت تسيطر على الخط الحديدي وخطوط البرق والهاتف وترعة الماء العذب؛ لكن انخداع عرابي بمؤامرة ديليسبس حينما تعهد ببقاء القناة على الحياد، وأنه لن يسمح بمرور السفن البريطانية، مما جعل عرابي يتراجع عن سد مدخل القناة.. وعندما فطن عرابي للمكيدة كان الوقت قد فات.. وعندما قامت ثورة 1919، شارك أهل السويس فيها، فقطعوا أسلاك البرق والتليفون قبل أن يقطعوا الخط الحديدي، ويهاجموا القوات البريطانية المتمركزة بكثافة في المدينة.

وفي أواخر عام 1951 كان نحو تسعة آلاف عامل من أهل السويس قد تركوا أعمالهم في ميناء الأدبية، ومع القوات البريطانية في إطار المقاطعة التي دعت إليها القوى الوطنية، مما اضطر القنصل البريطاني بالسويس إلى طلب الوساطة من محافظ السويس ليعود العمال إلى مباشرة أعمالهم؛ لكن المحافظ أخبره أن هؤلاء العمال قد تركوا العمل بمحض إرادتهم، ولا سلطان للحكومة عليهم.. بعد ذلك اندعت المواجهات بين أهل السويس وقوات الاحتلال وشهدت المعارك ارتقاء عدد من الشهداء في معارك كفر عبده والمثلث والزيتية، وسقط العشرات صرعى من قوات الاحتلال، ودمر الفدائيون خط سكة حديد السويس- الأدبية.

بطولات السويس ضد العدوان الثلاثي

في أواخر أكتوبر 1956، بدأ العدوان الثلاثي على مصر، وكان احتلال السويس أحد أهداف العدوان، وكان لصمود المدينة أكبر الأثر في اندحار القوات المعتدية مما اعتبر إيذانا بانتهاء عصر المغامرات الاستعمارية.. وبعد هزيمة الخامس من يونيو1967 تبدأ السويس النضال بأسرع مما يتوقع أحد، إذ استطاع ثلاثة من شباب المدينة في 14 يونيو أسر عدد من جنود العدو، مما أصاب الصهاينة بالجنون فقصفوا المدينة بوحشية فأسفر القصف عن استشهاد 37 وجرح أكثر من 1340.. وتستمر العمليات ضد قوات العدو الذي كان يرد بالقصف المدفعي الذي أسفر عن استشهاد 372 مواطن سويسي خلال شهرسبتمبر1967.. وخلال حرب الاستنزاف كان لأهل السويس دور كبير في دعم العمليات العسكرية ضد العدو، إذ شارك شباب السويس في منظمة سيناء العربية التي نفذت عددا من العمليات الناجحة خلف خطوط العدو بشرق القناة.

السويس مقبرة الصهاينة

وفي حرب أكتوبر المجيدة تحملت السويس النصيب الأوفر من وحشية الكيان الصهيوني في الرد على اكتساح قواته من جانب القوات المصرية، وقصفت المدينة قصفا شديدا في اليوم الثالث للمعارك مما أسفر عن استشهاد سبعة من أبنائها، وجرح اثني عشر.

ونتيجة لقرارات غير موفقة حدثت الثغرة، ووقعت السويس تحت حصار طويل.. ففي صباح 23 أكتوبر استطاع الصهاينة الوصول إلى أبواب المدينة عازمين على احتلال المدينة وإحكام حصارهم على الجيش الثالث، وحوصرت المدينة برفقتين مدرعتين، ما لبثوا أن بدءوا دخول المدينة من ثلاثة محاور دون أدنى مقاومة.. ومن شارع إلى شارع طارد الفدائيون قوات العدو التي فقدت معظم مدرعاتها، مما اضطرها للتحصن بمبنى قسم شرطة الأربعين واستمر القتال لفترة أجبر خلالها العدو على التراجع عن مداخل السويس بعد أن تكبد خسائر كبيرة في الأفراد والمعدات وانتصرت السويس بعد أن سجلت أروع صفحات الصمود، واستحقت لقب مقبرة اليهود، بعد أن صارت حديث العالم الذي أقر بأنها فاقت ستالينجراد التي ردت النازيين، بطولة وصمودا.