قصة الصراع بين الصوفية والسلفية ( 4)

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

اعتمد المتصوفة التأويل في التعبير عن أحوالهم ومواجيدهم، ومالوا للرمز في ستر كشوفهم ومشاهداتهم، وأبدعوا لغتهم الخاصة التي تبقي ثمار تجاربهم حكرا على من ذاق وكابد وعرف، فعبروا عن الحضرة الإلهية بأسماء توحي بالشاعرية والعطف والحنين كهند وسلمى وليلي، لكن هذا لم يمنع بعضهم من اطلاق عبارات أثارت غيظ وحنق الفقهاء عموما والحنابلة أو من أسموا أنفسهم ب (السلف) على وجه الخصوص، وعبر عن تلك المعاني بالشطحات (وهو ما يحدث عندما تفوق التجربة أو الحالة التي يكابدها الصوفي القدرة على الكتمان، أو تضيق مفردات اللغة بحمل المعاني) واشتهرت في التاريخ شطحات أمثال الحلاج الذي قال( ما في الجبة سوى الله) والبسطامي القائل(خضت بحرا وقف الأنبياء على شاطئه) وغيرهم كثيرين، فلم تحل خصوصية التجربة و التعبير دون اتهام الحنابلة لهم بالمروق والزندقة واسقاط التكاليف..

وإذا كان الإمام أحمد بن حنبل لم يخلو من مسحة صوفية، وعلاقة ببعض أئمة التصوف المعاصرين لزمنه، وإقراره لبعض المسائل الهامة بالنسبة للمتصوفة كالتبرك والاستغاثة والتوسل والولاية، فإن تلامذته قد توسعوا في انكار ممارسات المتصوفة ومهاجمتهم، ولقد كان على رأس هؤلاء أبو الفرج بن الجوزي (510ه_592ه) صاحب كتاب (تلبيس إبليس) والذي يعد اهم مرجع للحركة السلفية المعاصرة في مهاجمة ممارسات الصوفية وتصنيفها، حيث يذهب إلى اعتبار العديد من الممارسات الصوفية كالحضرات والذكر وزيارة الصالحين والتبرك والتوسل وغيرها من الفتن التي يوقع فيها الشيطان العباد ظنا منهم انهم يتقربون بذلك إلى الله وما هي إلا من مدخلات إبليس أو بالأحرى تلابيسه.

وإذا كان ابن تيمية لم يخلو كذلك من مسحة صوفيه أخذها عن أستاذه وشيخه عبدالقادر الجيلاني الإمام الصوفي وأحد الأقطاب الأربعة عند المتصوفة، والذي يعود إليه الفضل في إحياء المذهب الحنبلي بعدما تبناه كمذهب فقهي إثر رؤية منامية رأى فيها الإمام إبن حنبل يدعوه لاعتناق مذهبه الفقهي، فاستيقظ وقد أعلن تبنيه للمذهب الحنبلي وكذلك فعل قرابة السبعين ألف من مريديه- فلقد كتب ابن تيمية كتابه (الصوفية والفقراء)، وقدم مفهوم للولاية يكاد يتطابق مع مفهوم الجيلاني للولاية، وأثنى على كثير من المتقدمين من المتصوفة كالجنيد والشبلي، وسهل التستري، وأبو سليمان الداراني،..لكنه سرعان ما عاد لمهاجمتهم في ضراوة، وقسوة وقد فرق ما بين من اعتبرهم أولياء للرحمن ومن اعتبرهم أولياء للشيطان..

وتناول ابن تيمية مفاهيم المتصوفة ومواجيدهم وذكرهم وأحوالهم بمقياس الشرع الذي لا يتعدى في نظره ما ورد من الأثر، وما يفصح به ظاهر النص فأنكر عليهم ذكرهم، وخلواتهم، وسماعهم (الحضرة)، والتوسل والاستغاثة والنذر، وزيارة قبور الصالحين بغرض التبرك، بل وزيارة قبر النبي نفسه لهذا الغرض وحتى مفاهيمهم عن الحب والعبودية، وعلاقة الشيخ بالمريد التي وصلت في نظره حد الشرك.

وإذا كانت السلفية قد اعتمدت الأحذ بظاهر النص وإنكار العمل بالراي أو التعويل على العقل والتأويل حتى لقد قال أحدهم:

دين النبي محمــــــد آثــــــار           نعم المطية للفتى الأخبار

لا تخدعن عن الحديث وأهله           فالرأي ليـل والحديث نهار

فإن ذلك قد أوقعهم في شًراك وفخاخ النصوص حين لم يلجأوا للتأويل حتى في تلك الأيات المتعلقة بقضايا الذات والصفات، فوقعوا في نظر المتصوفة وغيرهم من أهل السنة والجماعة في ما عرف بالتشبية والتجسيم، إذ رفضوا تأويل بعض الأيات القرآنية كقوله (يد الله فوق أيديهم) وقوله (الرحمن على العرش استوى)، فقالوا بأن لله يد وإن لم تكن كأيدينا ورفضوا تحميلها على معنى القدرة، واعتبروا أن لله عرشا في السماء وأن الذات الإلهية تستوي عليه دون كيفية، وأن الله يسكن السماء وهي أمور استقبحت أكبر استقباح حتى من بعض فقهاء الحنابلة أنفسهم حتى قال ابن تميمي الحنبلي لقد شان أبو يعلي بن الفراء الحنابلة شينا لا يغسله ماء الدهر.

ولقد كان مسايرة ابن تيمية لمذهب أبو يعلي بن الفراء في قضايا الصفات سببا رئيسيا فيما تعرض له من محن جعلته يقضي أغلب سنوات عمره بين جدران السجون، وهي المرحلة التي خاض فيها ابن تيمية العديد من المناظرات مع علماء المتصوفة وفقهائهم في القاهرة التي بلغ فيها انتشار التصوف الطرقي مداه، وهي التي في إطارها أورد الكاتب عبدالرحمن الشرقاوي في روايته التاريخية (ابن تيمية الفقيه المعذب) قصة مناظرته مع صاحب الحكم ابن عطاء الله السكندري، وإن كان لا يتوفر بين يدينا ما يؤكد حقيقة هذا اللقاء، ولا ما يدعم إجراء تلك المناظرة التي أقر فيها ابن تيمية بصواب رأي ابن عطاء، وشُد بموجبها إلى سجن القلعة.

وإذا كان المتصوفة طوال تلك المراحل التاريخية كانوا في موقع المتهم الذي يلجأ للتواري خلف الرمزية في التعبير، فإنهم في تلك المرحلة قد انتقلوا من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم حين شنوا على مذهب المعطلة والمشبهة والمجسمة – السلفيين حربا لا هوادة فيها كاد فيها أن يندثر مذهب السلف إلى غير نهاية، لولا أن انبعاث ثالث للسلفية مع الحركة الوهابية سيوقظ السلفية من رقادها بعدما استدعت جملة أفكار ابن تيمية وابن القيم الجوزية على وجه الخصوص.