الأبواب الخلفية للإرهابيين

حتى صدور البيان الرابع من الجيش عن نتائج العملية الشاملة لمجابهة الإرهاب فى سيناء، لم تكن قد وقعت بعد مواجهات مباشرة بين قواتنا المسلحة وعناصر التنظيمات الإرهابية، ما يحدث حتى الآن هو عمليات مداهمات أسفرت عن تدمير عشرات الأماكن التى يستخدمها المتطرفون للاختفاء من عمليات القصف الجوي، وقتل 16 عنصرا تكفيريا وضبط 4 آخرين بالإضافة إلى 30 مشتبها بهم وتدمير العديد من المخازن والسيارات والعبوات الناسفة.

بحسب ماهو متوقع، لن تجرؤ العناصر الإرهابية على الاشتباك المباشر مع قوات الجيش التى تشارك فى هذه العملية والتى تتكون – بحسب البيان – من قوات مكافحة الإرهاب من الجيشين الثانى والثالث الميدانيين مدعومة بعناصر من الصاعقة والمظلات وقوات التدخل السريع مع عناصر من الشرطة، فغاية ما يمكن أن تخطط له قيادات التنظيمات الإرهابية هو تجنب أى قتال مع قواتنا، والخروج بأقل قدر من الخسائر من هذه المواجهة الصعبة، التى يشنها الجيش عليهم بهدف القضاء التام على تنظيمات التطرف فى سيناء، أو على الأقل تكبيدها خسائر فادحة تحول دون قيامها بأية عمليات إرهابية فى المستقبل.

لكن تدمير البنية الأساسية لهذه التنظيمات الإرهابية لن يكفى وحده للقضاء على الإرهاب، ولن ينجح فى تصفية الأفكار المتطرفة، أو على الأقل حصارها فى بؤر معزولة اجتماعيا، فالجانب السياسى الغائب عن مواجهتنا للإرهاب سيفتح عشرات الأبواب الخلفية لعودة الأفكار الإرهابية مرة أخرى، وكل تجاربنا التاريخية مع التطرف الدينى تثبت ذلك.

المواجهات العسكرية قد تكسر ظهر التنظيمات الإرهابية، لكن السلاح الفعال فى هذه المواجهة هو نجاحنا فى بناء نظم حكم ديمقراطية، واقتصاديات قوية، ومجتمعات حديثة، وتعليم متطور، وثقافة منفتحة على العصر وتحدياته، مع احترام قيم الحرية والعدالة الاجتماعية، فالإرهاب ينمو ويتوحش فى بيئة الجهل والفقر والاستبداد، ويستمد قوته من غضب الناس على أسلوب حياتهم وعلى إهمال السلطة لحقوقهم المشروعة، وفشلها فى الحصول على رضاء الجماهير عنها وعن طرق إدارتها لشئون الحكم، وتجاهلها مشاركة هذه الجماهير فى صنع القرارات السياسية والاقتصادية.

ما تتجاهله السلطة فى مصر أن المواجهة ضد الإرهاب فى سيناء تجرى فى مناخ سياسى غير موات لتحقيق كل أهدافها، فنحن – كمجتمع – لا نعرف من بالضبط يمول هذه التنظيمات المتطرفة ومن يزودها بالسلاح، هل هى إسرائيل وأمريكا طبقا لنظرية المؤامرة التى يطل بها علينا بين الحين والآخر بعض الإعلاميين المحسوبين على النظام؟! أم ان هذه الأسلحة تأتى لهم من ليبيا؟ وإذا كان ذلك صحيحا فكيف تعبر هذه الأسلحة كل نقاط التفتيش عبر الحدود الغربية حتى تصل إلى أخر نقطة فى حدودنا الشرقية؟ ولماذا ينشط الإرهابيون فى شمال سيناء فقط وليس فى وسطها وجنوبها رغم أن الطبيعة الجغرافية فى الوسط والجنوب أفضل لهم، وتوفر لهم ملاذات طبيعية للاختباء؟، ولماذا لا نعمر سيناء بملايين المصريين من سكان الوادى؟ وقبل ذلك ما هى بالضبط مشاكل وأزمات أبناء سيناء وكيف يتعاملون مع الإرهابيين؟ ولماذا لا يكونون رأس الرمح فى هذه المواجهة ضد هذه التنظيمات المتطرفة بتنمية مجتمعاتهم ودمجهم بشكل واضح فى كل شئوننا العامة ؟

وقبل ذلك كله لماذا لاترد السلطات فى مصر حول ما يثار فى الصحف والفضائيات عن خفايا وأسرار صفقة القرن والتى تتضمن تنازلنا عن 720 كيلو متر من سيناء لبناء دولة فلسطينية فى غزة ، والتى تتبناها إسرائيل وإدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ؟ ولماذا لا يوضح الرئيس عبد الفتاح السيسى بنفسه سبب تأييده لهذه الصفقة خلال لقائه مع نظيره الأمريكى فى إبريل الماضى ؟ وما هى حقيقة الضغوط التى قد نتعرض لها لكى نتنازل عن أجزاء من سيناء ، أم أن هذه الصفقة لا تتضمن هذا التنازل من الأساس ؟

هذه الأسئلة وغيرها تفرض نفسها على صناع القرار فى مصر ، والإجابة عليها بوضوح وشفافية ستوفر لقواتنا المسلحة دعما شعبيا فى عملياتها ضد الارهابيين فى سيناء وبقية مناطق البلاد فى الدلتا والصحراء الغربية ، ولتنهى قبل ذلك حرب الشائعات التى تتعلق بصفقة القرن وبالترتيبات التى تعدها أمريكا وإسرائيل للمنطقة ، والتى تتضمن فى الأساس تصفية القضية الفلسطينية مع مكافاة إسرائيل بتطبيع العرب للعلاقات السياسية والتجارية معها، وتسليمها كل مفاتيح قيادة الإقليم لتحركه بالشكل الذى تريده ، وفى الاتجاه الذى تشير إليه!!