من ثوراتنا المنسية.. ثورة البشموريين ضد بني العباس (3)

كان أبو العباس الملقب بالسفاح قد بويع كأول خلفاء الدولة العباسية في ربيع الأول من عام132هـ قبل أن ينكسر جيش الأمويين المقدر بمئة وخمسين ألفا في الموصل علي يد عبد الله بن علي عم المنصور، وكان من نتيجة تلك الهزيمة النكراء أن فر آخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد إلى الشام، ومنها إلى فلسطين.. قبل أن يضطر إلى الفرار إلى مصر بعد أن سمع بدخول العباسيين دمشق.

ويروى أنه لجأ إلى كنيسة “أبوصير” بالفيوم، وأن رؤوس القبط دلّوا عليه بعد أن أخذوا عهدا من العباسيين أن يحكموا بالعدل، وألا يغالوا في فرض الضرائب، وتقدير الجزية. بعد قتل مروان التزم العباسيون بما عاهدوا عليه لثلاث سنوات.. لكن الولاة غلبهم الطمع فضاعفوا الضرائب كما يقول “ساويرس بن المقفع” وأعادوا تقدير الجزية المفروضة مما أحدث اضطرابا هائلا في البلاد التي لم تكن أحوال أهلها المعيشية لتسمح بذلك، فتعددت البؤر الثورية وانتشر التمرد خاصة في شمال مصر، وكان الولاة يرسلون الجند إلى تلك الأصقاع فيعملون في الناس آلة القتل حتى تخمد نار الثورة، لكنها ما تلبث أن تشتعل من جديد.

ولنحو سبعين سنة لم تهدأ ثورات المصريين على البغاة من ولاة العباسيين؛ إلا لتثور مجددا ويروي المقريزي أنه في جمادى الأولى سنة 216هـ انتفض أسفل الأرض بأسره (الوجه البحري) عرب البلاد و قبطها.. والسبب ما أوقعه بهم غيث بن سعيد، عامل الوالي عيسى بن منصور على إقليم بشمور الواقع بين فرعي النيل أقصى شمال مصر، وقد عُرف الرجلان بالظلم والإفراط في إسالة الدماء، والتعلل بأوهى الأسباب لهدم الكنائس، والدور ومصادرة الأموال، وربط المصريين بالسلاسل، وتسخيرهم في الأعمال الشاقة.

لم يكتف الوالي بما فعله عامله بأهل إقليم بشمور، بل نزل الإقليم بنفسه، وألقى القبض على سبعين رجلا أودعهم السجن بعد أن أمر بهدم منازلهم ومصادرة كافة ممتلكاتهم.

كان لطبيعة أهل الإقليم دور في تصاعد وتيرة الأحداث فكما يقول عنهم المقريزي أنهم “كانوا أكثر توحشا وتعنتا من سائر سكان مصر” وربما يرجع ذلك لاختلاط الأعراق فيهم بين العرب والقبط والروم، كما أنهم لم ينسوا أنهم ساعدوا بني العباس في القضاء على الأمويين عندما كونوا جيشا بقيادة “مينا بن بكيرة” دحر جيش الأمويين وفك حصارهم، وكان من العوامل المؤثرة أيضا طبيعة نشاطهم الاقتصادي إذ عملوا في صناعة ورق البردي، واحترفوا الصيد، ولم يكن لهم كبير اهتمام بالزراعة التي تورث الركون والصبر على الضيم.

ولقد فطن ولاة بني العباس لتلك الطبيعة الثائرة عند البشموريين، فأمعنوا في إذلالهم، وكسر شوكتهم، ويروي “ساويرس بن المقفع” أن العرب عاملو البشموريين بصورة غاية في القسوة “فقد ربطوهم بسلاسل إلي المطاحن وضربوهم بشدة ليطحنوا الغلال كما تفعل الدواب سواء بسواء، فاضطر البشموريون أن يبيعوا أولادهم ليدفعوا الجزية ويتخلصوا من آلام هذا العذاب” ولكن ذلك أيضا لم ينجهم من النكال الذي كان واقعا بهم؛ فعزموا على الثورة مستغلين طبيعة الإقليم حيث تنتشر المستنقعات التي تتخللها الطرق الضيقة التي لا يحسن معرفتها والسير فيها سواهم.. وكانت أولى الخطوات إعلان الثورة الامتناع عن أداء الضريبة، وإعطاء الجزية.

يقول ابن إياس الحنفي “وما إن مر العام الثامن عشر بعد المائتين للهجرة إلا وكانت أغلب البلاد قد آل أمرها إلى الخراب، وقد عانى أهلها العذاب، لما أنزله عيسى بن منصور بهم من نكال، فقل الزرع وجف الضرع وولى الخير”.

وكان المأمون قد ولّى أخاه المعتصم على مصر، لكن الأخير لزم دار الخلافة تحسبا لأي طارئ، وأوكل على مصر عمر بن الوليد؛ لكن تعاظم أمر البشموريين دفع بالخليفة المأمون إلى إرسال المعتصم على رأس جيش قوامه أربعة آلاف مقاتل مُني بهزيمة منكرة، فأتبعه المأمون بجيش آخر بقيادة “الأفشين” التركي، فنال الهزيمة أيضا.. وعندما بلغت أنباء الهزيمة المأمون جن جنونه وقرر أن يقود جيشا بنفسه لإخماد تلك الثورة التي تتعاظم نيرانها يوما بعد يوم حتى امتدت للوجه القبلي، ومما دفع المأمون إلى سرعة التحرك أيضا ما ورده من أنباء عن تحركات لبقايا الأمويين تحرض على إنهاء حكم بني العباس في مصر؛ لتكون نواة لدولة أموية جديدة.

تؤكد عديد من المصادر أن جيش المأمون مُني بعدة هزائم جعلت المأمون يلجا إلى الخديعة والحيلة؛ فاستقدم الأنبا “ديونيسيوس” البطريرك الأنطاكي، ثم دعا الأنبا يوساب الأول بطريرك الأقباط واتبع مع الاثنين أساليب متعددة ما بين الترهيب والترغيب حتى أصدرا مرسوما رسميا يدعوان فيه الشعب إلى الخضوع للدولة وولاتها، ونبذ الثورة التي هي مروق عن نهج المسيحية الناهي عن مقاومة “السلاطين والرياسات”.

اعتبر المرسوم ضربة قوية وجهت للثورة فبدأ المسيحيون بالتخلي عن مساندة البشموريين ، وتبعهم المسلمون، ووجد الثوار أنفسهم في مواجهة غير متكافئة مع جيش المأمون، ومع ذلك لم ييأسوا وصمدوا صمودا إعجازيا، وقدموا بطولات بلا نظير.. لكن الهزيمة وقعت بهم في النهاية، فكان الانتقام منهم مروعا إذ هدمت دور البشموريين، وكنائسهم، وحكم على الكثير من الرجال بالقتل والحرق أحياء، وعلى نسائهم وأطفالهم بالسبي، كما حكم بالنفي على عدد كبيير من زعمائهم وقادتهم، ويروي المؤرخ القبطي “ساويرس بن المقفع” نهاية تلك المأساة فيقول “…وأخيراً رضخ الأبطال للأمر وسافروا على سفن إلى أنطاكية حيث أرسلوا إلى بغداد وكان يبلغ عددهم ثلاثة آلاف، مات معظمهم في الطريق أما الذين أسروا في أثناء القتال فقد سيقوا كعبيد ووزعوا على العرب، وبلغ عدد هؤلاء خمسمائة، أرسلوا إلى دمشق وبيعوا هناك”.

وعندما تولى المعتصم الخلافة سنة 833م أمر بالإفراج عمن بقي على قيد الحياة من البشموريين في سجون المأمون، فعاد بعضهم إلى مصر، وبقي آخرون في بغداد.

تقول الكاتبة سلوى بكر التي كتبت رواية عن تلك الوقائع بعنوان”البشمور” عن حقيقة أن الثورة البشمورية كانت ثورة مسيحية ضد الحكم الإسلامي “ثورة البشموريين لم تكن ثورة دينية كما يراها البعض بل هي ثورة اجتماعية كان سببها تزايد ضريبة الأرض الزراعية، لأن العرب عندما فتحوا مصر لم يكن لهم دراية بالنظم الزراعية المعمول بها منذ عهد الفراعنة حيث كانت غلة الأرض توزع علي أربعة أنصبة.. ربع للفرعون وربع للمعبد، وربع للفلاح وربع لإعادة الإنفاق علي العمل الزراعي، وعندما جاء العرب لم يطبقوا هذا النظام وكانوا يطالبون بزيادة غلة الأرض وزيادة الضريبة الزراعية ومن هنا أصبح هناك إجحاف بالفلاح الفقير، وثورات الأقباط بدأت منذ عصر الولاة وحتي العصر العباسي الأول وكانت هذه الثورات تخمد وتقمع حينا لكنها كانت تعود حينا آخر وتتجدد حتي جاء الخليفة المأمون في القرن التاسع الميلادي وقمع هذه الثورة لأنه كان يري أنها تهدد نظام الحكم العربي في مصر”.

اللافت للنظر في أمر تلك الثورة المنسية أن أعداءها قد تكالبوا عليها حتى بعد انطفاء جذوتها، فما بين متبرئ منها، ومدع لها ضاعت كثير من الحقائق المتعلقة بها ، لكن الأكيد أن ثورة البشموريين هي ثورة مصرية شارك فيها قطاع كبير من المصريين، وقد امتدت لتشمل الوجه البحري بكامله، وكذلك مناطق واسعة من الوجه القبلي، وكادت تلك الثورة العظيمة أن تحقق أهدافها؛ لولا التحايل والخداع واستخدام الدين في غير ما جُعل له.. وكأنه قدر مصر والمصريين الذي لا فكاك منه!.